ابن بسام

148

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وفي فصل من أخرى [ له ] : وكنت أضرب صفحا عن ذكر حالي معك وارتباطها ، وانجذاب نفسي إليك وانبساطها ، وامتزاج ذاتي بك واختلاطها ، إلّا أني قلت : لا بدّ للنفوس من أن تظهر أفعالها ، وللحقائق أن تعطي أحوالها ، فإن وراء كلّ دعوى ، ستارا [ 1 ] من النجوى ، يعلم به هل تغلغلت في الضمير ذاهبة ، أو أخذت في بعض الجوانب وازبة [ 2 ] ؛ وعلمت أنه لا بدّ من شواهد اللسان ، مع معاقد الجنان ، واللّه المطّلع على الضمائر لم يقبل عقد الإيمان ، حتى يصحبه عقد اللسان ، ولهذا السبب لا بدّ / للمرء أن يقول ، وللّسان أن يجول ، إلّا أنه يكتفى بالقليل من الكثير ، ويحال على خواطر الضمير . وله من أخرى [ 3 ] : إن أخذت في ذكر فضائلك ، أو عطّرت كلامي بطيب شمائلك ، فلسان الأيام بها أفصح ، ولها أشرح ، وإن عدلت إلى وصف ما أعتقده فيك وأضمره ، وأطويه من ودادي لك وأنشره ، فشاهد ضميرك به أنطق ، وعنه أصدق ، فليس إلّا الاتفاق والاصطلاح ، على ما تتناجى به النفوس والأرواح . وفي فصل من أخرى : وردني لك كتاب أراني كيف يكون الكلام درّا ، والبيان سحرا ، وبطون المهارق حدائق ، وما بين مدبّ الأقلام بوارق ، فللّه يد نمنمت وشيه ، ونظمت حليه ، وقريحة أطلعت أزاهره ، ما أطول باعها ! وأكثر في فنون الأدب اتساعها ! وللّه زمان أصحب بعد الامتناع ، ووصل بعد الانقطاع ، ورفع أعلام السعادة ، وبلّغ أقصى الآمال والإرادة ، بورود الكتاب الأثير من شاطبة ، وقد تبوّأ منها بسطة ذراه ، وذكرت أنه وصل إليها على تناه من البهجة ، فاتت الظنون ، وراقت العيون ، وتجاوزت حدّ [ 52 ب ] الجمال ، واستوفت غاية الكمال ، بالمنظر المعجب ، والمرأى المستغرب ، الذي لم تفتق الأسماع بمثله ، ولا نهضت الأفكار بشكله ، والحال مغنية بذاتها ، عن صفاتها ، فقد رفعها اللّه عن أن تحيط بها الأوصاف ، ومحلّها أجلّ عن أن تصفها الوصّاف ؛ فإنها نادرة الأيام ، وفائدة الزمان ، يسير بها الرّكب ، وتحلّى بها الكتب ، وتدوّن في صحائف الفخر ، وتعمّر على مرّ الدهر ، ويبلى العصر ، وهي جديدة الذكر . / وله من أخرى : وحين انتظم أمل ، وتناهى جذل ، لما أشرفت عليه من صدر

--> [ 1 ] ط س : سرارا ؛ ب : سيارا . [ 2 ] وازبة : ذاهبة ؛ وفي النسخ : وارية . [ 3 ] سقطت هذه الرسالة واثنتان بعدها من د ط س .